حبيب الله الهاشمي الخوئي
82
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
ليس في طبايع سائر أجناسه من الملائكة حتّى يصير ذلك معجزا ألا ترون أنّ الطيور الَّتي تطير ليس ذلك منها بمعجز لأنّ لها أجناسا تقع منها مثل طيرانها ولو أنّ آدميّا طار كطيرانها كان ذلك معجزا فاللَّه عزّ وجلّ سهّل عليكم الأمر وجعله بحيث يقوم عليكم حجّته وأنتم تقترحون عمل الصّعب الَّذي لا حجّة فيه . ثمّ قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله : وأمّا قولك : » ما أنت إلَّا رجل مسحور « فكيف أكون كذلك وقد تعلمون انّه في صحة التميز والعقل فوقكم فهل جرّبتم علىّ منذ نشأت إلى أن استكملت أربعين سنة خزية أو ذلَّة أو كذبة أو خيانة أو خطأ من القول أو سفها من الرأي أتظنّون أن رجلا يعتصم طول هذه المدّة بحول نفسه وقوّتها أو بحول اللَّه وقوّته - إلى آخر الحديث بطوله . أما الأمر الثّاني اعني أنّ النّبيّ مع البشريّة يجب أن يكون متميزا عن سائر النّاس بأوصاف قدسيّة ، فأشار عليه السّلام إليها بقوله : انّ الأنبياء صفوته من خلقه أوّلا ، وانّهم حكماء مؤدّبين في الحكمة ثانيا ، ومبعوثين بها ثالثا ، وغير مشاركين للنّاس على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب في شيء من أحوالهم رابعا ، مؤيدون عند الحكيم العليم بالحكمة خامسا . وهذه أمور لابدّ للنّاظر من البحث عنها والنيل إلى حقيقة مغزاها . واعلم أنّ الأنبياء لكونهم سفراء له تعالى إلى خلقه وامناءه على وحيه وخلفاءه لابدّ من أن يكونوا متصفين بالأوصاف القدسيّة الالهيّة ومتخلَّقين بالأخلاق الرّبوبيّة فانّ الخليفة لابدّ وأن يكون موصوفا بصفات المستخلف حتّى يتحقق له اسم الخلافة والعناية الأزليّة تأبى بعث من لم يكن كذلك لبعده عن الاتصاف بصفات الحق والاتصال بحضرة القدس . وقد قال الحكماء ومنهم الشّيخ في الشّفاء انّ النّفس الناطقة كمالها الخاصّ بها أن يصير عالما عقليا مرتسما فيها صور الكلّ والنّظام المعقول في الكلّ والخير الفائض في الكل وأفضل النّاس من استكملت نفسه عقلا بالفعل محصلا وللأخلاق الَّتي تكون فضائل عمليّة وأفضل هؤلاء هو